صاحب الفخامة،
بالنيابة عن زملائي الإعلاميين المُتعاقدين في وزارة الإعلام، وتحديدا في "الوكالة الوطنية للاعلام"، أودّ أن أنقل إليكم هواجس إعلاميين، شاطروكم شرف التضحية للبنان والوفاء له، من خلال عملهم الإعلامي.
لقد حمل الإعلاميون المُتعاقدون أقلامهم، وأشبعوها من حبرٍ وطنيٍّ صرفٍ، كما دافعتُم يا فخامة العماد عن لبنان بالبندقية، يوم كنتُم في موقع قيادة الجيش، وما زلتُم تدافعون عنه رئيسا حاملا لواء النُهوض بلبنان مُتحديا كُل الظُروف القاهرة...
واليوم، وبعد إقرار اقتراح القانون الرامي إلى إخضاع المُتعاقدين في وزارة الاعلام، لشُرعة التقاعُد، مُعدلا بالتصويت بالمُناداة بأكثرية 61 صوتا ومُعارضة 30، في 15 تموز الجاري، وبعد مخاض عظيم، يسعى النُواب المُعرقلون إلى تعطيل قانونٍ، كانت بدأت دراسته في العام 2004، فأُشبع دراسة حتى التُخمة، في إطار "تنظيم الإعلام اللبناني".
إثنان وعشرون عاما، لم يُنصَف خلالها المُتعاقدون في وزارة الإعلام إلا في عهدكم، وقد بات مصيرُهم رهنًا بتوقيعكم على القانون، وهُم يأملون منكُم إنصاف القلة القليلة الباقية على قيد الحياة، ما يضمن لنا آخرةً كريمةً، تليق بمن شهد مع كُل إطلالة شمس للبنان الواحد، السيِّد، الحُرّ والمُستقلّ... وبمن حلُم بانبعاث الحياة مُجددا، وبالنُهوض من الكبوة وبإعادة بناء لبنان الحقيقي.
نُراهن على تقديركم، يا فخامة الرئيس، لتضحيات الإعلاميّين المُتعاقدين، فأنتُم تُتابعون كُل الملفات وعلى عِلمٍ بكُل الأُمور، وهذا ما يُثلج صدورنا.
ونعلم، يا فخامة الرئيس، أنكم ترفُضون الكلام الطائفي البغيض الذي نطق به النُواب المُعرقلون للمشروع، خلال الجلسة التشريعية في 15 تموز الجاري، حين بدأ النقاش في اقتراح قانون إخضاع المُتعاقدين لشرعة التعاقُد، ما اضطُر رئيس المجلس النيابي نبيه بري إلى تعليق الجلسة لعشر دقائق، إلى أن عاد واستأنفها بعد ضبط إيقاعها فأُقرّ مشروع القانون...
ونُدرك يا فخامة الرئيس أنك تعرف بأننا في وزارة الإعلام نموذجٌ للنسيج الوطني الغني بتنوعه، ولكننا نجتمع، وعلى اختلاف مشاربنا وانتماءاتنا، لنعمل معا من أجل لُبنان، وإن لحَق ظلمٌ بِنا، فإنَّه ينسحبُ على كُل الوطن...
كيف يُمكن لنائبٍ، أن يُعرقل قرارا يحفظ للمُتعاقد حقوقه، بعد عُقودٍ من العمَل لدى الدولة؟
إن أحدث مجموعة مِن الخاضعين للتعاقُد، بدأ عملها في وزارة الإعلام في العام 1998، أي أن أصغر مُتعاقدٍ عمل في الوزارة ولتاريخه، 28 عامًا، فهل يُعقَل أن يكون تعويض نهاية خدمته، من الضمان الاجتماعي، حوالي 1،300 دولار أميركي؟.
ونحن، يا فخامة الرئيس في خضم دراسة قانون تنظيم الإعلام، المُتضمن إلغاء مُديريات "الوكالة الوطنية للإعلام"، و"مُديرية الإذاعة" و"مُديرية الدراسات والمنشورات اللُبنانية"، وإلحاقها بتلفزيون لبنان، بعد تطوير شركة (تلفزيون لبنان ش. م. ل.)، وتعديل أنظمتها باسم (الشركة الوطنية اللبنانية للإعلام – ش. م. ل.)، وهي تستمر في طبيعتها، كشركة اقتصاد مُختلط... فمَن يضمَن حُقوقنا، ومَن يَقينا مِن التشرُّد في الشارع، بعدما انتقل ربُّ عمَلِنا مِن قطاعٍ رسميٍّ إلى قطاعٍ خاصّ؟
وما المانع مِن أن تُقرِّر إدارة الشَّركة الجديدة، ضخّ دمٍ جديدٍ فيها والتَّخلِّي عنّا؟
إنَّ قضيّة المُتعاقدين، إنما هي قضيَّة عدالةٍ اجتماعيّةٍ، وهي في صلب الدَّور الّذي ينبغي على الدولة أن تُؤديه، من خلال وضع الأُطر التشريعية والقضائية التي تضمن العدالة بين الأفراد.
كما وأن الاستحقاق الإعلامي يستدعي تحليلا قانونيا مَوْضوعيا، بمعزلٍ عن أيّ اصطِفاف، لفَهم أبعاده الحقيقية.
وأما البُعد الذي يغيب غالبا عن النقاش، فهو حُقوق العاملين في القطاع العام الإعلامي. ومن المبادئ الراسخة في القانون الإداري أن التعديل التشريعي لا يجوز أن يتحوَّل إلى أداة للمسّ بالحُقوق المُكتسبة للمُوظفين، سواء أكانوا خاضعين لنظام الوظيفة العامَّة، أو لعُقود عملٍ في مُؤسَّساتٍ عامَّةٍ ذات طابِعٍ خاصٍّ. فالمُوظَّف الَّذي دخَل السِّلك الوَظيفيّ، وَفق شُروطٍ قانونيَّةٍ مُعيَّنةٍ، وراكَمَ خبرةً وأقدميَّةً على أساسها، يتمتَّع بضماناتٍ لا يجوز تجاوزها لمُجرَّد صُدور نصٍّ جديدٍ يُنظم القِطاع.
وهذا ينطبق بداهةً على العامِلين في وزارة الإِعلام الذين شكلوا عبر عُقود الذَّاكرة المُؤسَّسيَّة للإعلام الرَّسميّ اللُبنانيّ.
وأيًّا تكن الصيغة النهائية للقانون، يبقى مِن الضَّروريّ أن يتضمَّن، هو أو القرارات الإدارية المُواكِبَة لَه، أحكامًا انتقاليَّةً صريحةً تحفَظ مُكتَسَبات العامِلين الحاليِّين، لأنَّ استقرار الوَضع الوظيفيّ شرطٌ أساسيٌّ لاستقلاليَّة الأَداء الإِعلامي نفسه.
إنّ مُستقبل الإِعلام في لبنان، يُبنى على مُعادلةٍ مُزدَوِجَةٍ: تشريع عصريّ يُواكب التَّحوُّل الرّقميّ ويُحرِّر العمَل الصِّحافيّ مِن إِرثٍ تراكُميٍّ مِن المُلاحَقات، مع ضماناتٍ دقيقةٍ تمنع أي التفافٍ على مبادِئِه، واستِقرارٍ وظيفيٍّ يحفظ حُقوق كُلّ مَن ساهَم، مِن مَوْقعه، في صَوْن الرِّسالَة الإِعلاميَّة الرَّسميَّة للُبنان.
فالقانون الجيد لا يكتَفي بصِياغة المُستقبَل، بل يُحسن أيضًا إدارة الانتقال إليه بعدالة وشفافيَّة.
والعدالة في توقيعكم، يا فخامة الرّئيس، على مشروع قانون إخضاع المُتعاقِدين في وزارة الإعلام، لشُرعة التَّقاعُد.
وتفضلوا بقبول فائق الاحترام.































